عبد الرحيم اباذرى ( تعريب : عبد الحسن نجفي بهبهاني )
50
الشيخ محمد الغزالي
--> ومرتكزه الخامس : الواقع ، وفقهه ، عن طريق المعايشة والاطّلاع ، سواء كان واقع المسلمين أو واقع القوى المعادية لهم ، الواقع المحلّي ( المصري ) ، والواقع الإقليمي ( العربي ) ، والواقع الإسلامي ( واقع البلاد الإسلامية ) ، والواقع الدولي ( خارج عالم الإسلام ) . هذا الواقع كتاب مفتوح لدى الشيخ ، يقرأ سطوره وما بين سطوره ، ويتدبّر أحداثه ، ويتعلّم منها ويعلّم ، ويوظّفها في نصرة دعوته وتحقيق مقاصدها . لا يهتمّ في الواقع بالجانب المادّي أو الحسّي فيه ، مغفلًا الجوانب الأُخرى ، بل اهتمامه - مع ذلك - مركوز على ما وراء المادّي والحسّي ، من الأفكار والأخلاق والعقائد والتقاليد ، فهي التي تصنع الإنسان والمجتمعات ، وتميّز بعضها عن بعض . موقف الغزالي من السلف والسلفية : وهنا قد يسأل سائلون : ما موقف الغزالي من السلف والفكرة السلفية ، وبخاصّة أنّه قد اشتبك مع بعض دعاة السلف في كثير ممّا كتبه في السنين الأخيرة ، ووقف في الصفّ المقابل لهم في أغلب ما يثيرونه ، ويجعلونه من ركائز دعوتهم ؟ والواقع أنّ الشيخ الغزالي - مثل شيخه حسن البنّا - رجل سلفي ، فالسلفية من خصائص الدعوة أو المدرسة التي آمن بها ، وانتمى إليها ، ووظّف جهده في نصرتها . وقد قال حسن البنّا في وصف هذه المدرسة : « إنّها دعوة سلفية ، وطريقة سنّية ، وحقيقة صوفية ، وجماعة ثقافية ، وهيئة سياسية . . . » إلخ ، وهذا ما يؤمن به مفكّرنا الغزالي . ولقد كتب الشيخ في وقت مبكّر - أوائل الخمسينيات - كتابه : « عقيدة المسلم » ، فرجّح فيه مذهب السلف ، وقاوم الشرك كلّه أكبره وأصغره ، وجليه وخفيه ، وانتصر للتوحيد الحقّ ، وإن كان في الكتاب نَفَس أشعري ، وخصوصاً في التقسيم والتبويب ، وهذا لا يخلو منه أزهري ، فالأزهر مثل الزيتونة والقرويين وديوبند ( أزهر الهند ) وغيرها من الجامعات الدينية في العالم الإسلامي ، كلّها أشعرية أو ماتريدية . وقد قلت في أحد المؤتمرات يوماً لمن سألني عن الأشاعرة : إنّ الأُمّة الإسلامية منذ قرون في جملتها أشعرية ! فما يضير الشيخ أن يتأثّر بالأشعري أو الماتريدي ، أو حتّى بالمعتزلة ، أو بالفلاسفة ! المهمّ ألّا يعبّد نفسه لطائفة منهم ، تحكم فكره ، وتسلبه حرّيته . فالمرجع الأعلى عنده القرآن والسنّة . -